يرى الدكتور أيجمن باجيش، وزير شؤون الاتحاد الأوروبي التركي الأسبق وكبير المفاوضين السابق في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، أن أصوات الناخبين العرب في إسرائيل فرضت نفسها بقوة على المشهد السياسي، وأصبحت عاملًا لا يمكن تجاهله في تشكيل الحكومة المقبلة.

 

لكن السؤال الأهم، بحسب الكاتب، يتمثل في مدى استعداد القادة السياسيين الإسرائيليين لقبول ممثلي هؤلاء الناخبين شركاء في رسم مستقبل البلاد، وهو ما ستنعكس إجابته على شكل الحكومة المقبلة وآفاق تحقيق السلام.


وفي مقال رأي نشره موقع «ميدل إيست مونيتور» يناقش باجيش نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها على مشاركة الأحزاب العربية في الحكم، رابطًا بين حسابات تشكيل الائتلافات السياسية وضرورة إنهاء الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، والتوصل إلى تسوية تضمن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.


وبحلول صباح 29 أكتوبر، أظهرت التقارير المتعلقة بفرز الأصوات غير المكتمل حصول معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعارضة التي يقودها رئيس الأركان السابق جادي آيزنكوت، و19 مقعدًا للأحزاب العربية. وتظل هذه الأرقام أولية، ولا تمثل توزيعًا نهائيًا للمقاعد أو اتفاقًا بشأن تشكيل ائتلاف حكومي. ولا يزال نتنياهو في منصبه، بينما لم ينجح أي من المعسكرين الرئيسيين في حصد الأغلبية المطلقة داخل الكنيست.


وقبل الانتخابات، كتب باجيش أن نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى هزيمة خصومه، بل يكفيه أن يظلوا عاجزين عن تشكيل حكومة موحدة. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي قد سلط الضوء على هذه المعضلة خلال قمة لمجلة «إيكونوميست» في مدينة سالونيك، شارك فيها الكاتب أيضًا. ويرى باجيش أن النتائج الأولية تعزز هذا التحذير، لكنها لا تحسم هوية الطرف الذي سيتولى الحكم.


وتغيرت الحسابات البرلمانية مع تقدم عملية الفرز؛ إذ يحتاج معسكر نتنياهو، الذي يملك 53 مقعدًا، إلى ثمانية مقاعد إضافية للوصول إلى عتبة الـ61 مقعدًا، بدلًا من أربعة مقاعد وفق التقديرات السابقة التي منحته 57 مقعدًا. وفي المقابل، يصل مجموع مقاعد آيزنكوت والأحزاب العربية إلى 67 مقعدًا. لكن جمع المقاعد وحده لا يحل الخلافات المتعلقة بالسياسات والهوية والمشاركة السياسية، كما لا يمكن ضم ممثلي الأحزاب إلى ائتلاف حكومي دون موافقتهم.

 


معضلة تشكيل الحكومة ومشاركة الأحزاب العربية


دعا زعيم حزب الديمقراطيين يائير جولان إلى التعاون مع الأحزاب العربية، فيما أفادت وكالة «أسوشيتد برس» بوجود انفتاح مشروط داخل معسكر آيزنكوت على هذا التعاون، رغم استمرار مقاومة أطراف أخرى محتملة في الائتلاف. وتفرض الخلافات المتعلقة بهوية إسرائيل، والموقف من حركة حماس، والتزامات الخدمة العسكرية عقبات كبيرة أمام التوصل إلى شراكة سياسية.


ويؤكد الكاتب أهمية التمييز بين وجود مؤشرات على إمكانية التعاون وبين تحقق هذا التعاون بالفعل؛ إذ لا يوجد حتى الآن اتفاق بشأن الشراكة، كما لا توجد أسس كافية لافتراض استحالة المفاوضات.


وسعى حزب القائمة العربية الموحدة «رعام»، بقيادة منصور عباس، إلى الحصول على موطئ قدم داخل الحكومة. كما أبدى قادة القائمة المشتركة استعدادهم للمساعدة في إزاحة نتنياهو، بما في ذلك دعم تشكيل حكومة أقلية، شريطة الاستجابة لمطالبهم.


ويرى باجيش أن هذه المبادرات تستحق مفاوضات جادة، خصوصًا أن قضايا الأمن العام والإسكان وعدالة توزيع الاستثمارات العامة تحتاج إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ. وفي الوقت نفسه، ينبغي الحفاظ على حرية ممثلي الأحزاب العربية في الاختلاف مع الحكومة، بما في ذلك بشأن تعاملها مع الفلسطينيين خارج حدود إسرائيل.


ولا يعني تصدر نتنياهو أكبر كتلة برلمانية حصوله تلقائيًا على التكليف الأول بتشكيل الحكومة؛ إذ يتعين على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ التشاور مع الكتل البرلمانية، قبل تكليف مرشح بتشكيل الحكومة. ويحصل المرشح الأول على مهلة قدرها 28 يومًا من تاريخ تكليفه، مع إمكانية تمديدها لمدة تصل إلى 14 يومًا وفق تقدير الرئيس. ومن ثم، لا تبدأ المهلة ليلة الانتخابات.


وتوفر المقاعد الـ61 أغلبية مطلقة داخل الكنيست، لكنها ليست شرطًا ثابتًا لنجاح الحكومة في أول تصويت على الثقة؛ إذ قد تسمح أصوات الامتناع بتمرير الحكومة بأقل من 61 صوتًا مؤيدًا. ولهذا قد تؤدي تفاهمات الدعم الخارجي دورًا مهمًا، لكن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على التعاون السياسي اللازم لاستمرار الحكومة وقدرتها على الحكم.

 


غزة في صدارة اختبار الحكومة المقبلة


ويحذر باجيش من أن الانشغال بالحسابات البرلمانية يجب ألا يحجب معاناة الفلسطينيين جراء الإبادة الجماعية في غزة، التي يقول إنها جرت في ظل قيادة نتنياهو. فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» بمقتل ما لا يقل عن 21 ألفًا و700 طفل في القطاع خلال الفترة بين أكتوبر 2023 ويونيو 2026.


كما أشار الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استنادًا إلى بيانات وزارة الصحة في غزة، إلى تسجيل وفاة 11 ألفًا و301 امرأة في المستشفيات حتى 7 أكتوبر 2026. ويؤكد الكاتب أن هذه الأرقام تتعلق بأرواح بشرية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل هامشي في سياق الانتخابات.


ويشدد باجيش على أن المدنيين الأبرياء لا ينبغي أن يدفعوا ثمن جرائم حركة حماس، وأن أي مبررات أمنية لا يمكن أن تبرر التخلي عن حماية الأطفال.


ولا تقتصر الكارثة على الخسائر البشرية، بل تمتد إلى الظروف القاسية التي يواجهها الناجون. ففي أكتوبر، أفادت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بأن 1.8 مليون شخص يعيشون في مواقع النزوح، فيما يحتاج نحو مليوني شخص إلى مساعدات إيواء.


وأوضحت «يونيسف» أن 800 ألف طفل لا يزالون نازحين، ويعيش معظمهم في خيام أو مبانٍ متضررة من القصف وتشكل خطرًا على حياتهم. وبالنسبة إلى الأسر التي لا تجد منزلًا آمنًا تعود إليه، تحولت الحياة اليومية إلى معركة مستمرة من أجل البقاء.


ويحمّل الكاتب نتنياهو وحكومته المسؤولية السياسية عن إدارة الحرب والقيود التي تفاقم معاناة الفلسطينيين، مطالبًا بأن تشكل المساءلة والمساعدات الإنسانية غير المقيدة وتوفير المساكن الآمنة ركائز أساسية لأي حديث عن بداية جديدة.


ويرى باجيش أن المهمة الأولى للحكومة الإسرائيلية المقبلة ينبغي أن تكون إنهاء الكارثة في غزة، عبر وقف قتل المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، وتوفير المأوى الآمن وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار.


لكن مجرد استبدال نتنياهو لا يضمن حدوث هذا التحول؛ إذ يشكل موقف آيزنكوت المعلن الرافض لإقامة دولة فلسطينية عقبة جوهرية أمام تحقيقه. ولذلك ينبغي تقييم أي حكومة مقبلة على أساس مدى التزامها بحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والتعامل مع عنف المستوطنين، والاستعداد لاتخاذ خطوات تجعل السيادة الفلسطينية أمرًا قابلًا للتحقق.


ولا تزال قضايا الفساد المرفوعة ضد نتنياهو، والمتعلقة باتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، قائمة، بينما ينفي رئيس الوزراء هذه الاتهامات. ويشدد الكاتب على ضرورة ألا تحمي المساومات الائتلافية أي زعيم من الرقابة القضائية، وأن تحافظ المفاوضات على استقلال القضاء والمساءلة عن الإخفاقات الأمنية والسياسية المحيطة بأحداث 7 أكتوبر.

 


 حل الدولتين.. الطريق إلى سلام مستدام


يفصل باجيش بين التزامين مختلفين، هما ضمان المواطنة المتساوية للعرب داخل إسرائيل، وتحقيق حق الفلسطينيين في تقرير المصير. فمشاركة المواطنين العرب في الحكومة الإسرائيلية لا يمكن أن تكون بديلًا عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة.


ويؤكد أن حل الدولتين، على أساس حدود عام 1967، مع اعتبار القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، ينبغي أن يشكل الهدف المعلن لأي مسار سياسي. ويحتاج الفلسطينيون إلى دولة متصلة جغرافيًا، تعيش إلى جانب إسرائيل، وتضمن الأمن والكرامة للشعبين.


ولا ينبغي أن يظل هذا الهدف وعدًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى؛ إذ يتعين على المسار الدبلوماسي وضع جدول زمني موثوق لتحقيقه، ومواجهة التوسع الاستيطاني وخطط الضم التي تقوض فرص تنفيذه.


كما لا ينبغي مطالبة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بالتخلي عن اهتمامهم بما يجري في غزة والضفة الغربية حتى تقبلهم القوى السياسية شركاء في الحكم. وفي المقابل، ينبغي أن يظل انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية موجهًا إلى المسؤولين عنها، دون تعميم المسؤولية أو توجيه اللوم الجماعي إلى اليهود أو الإسرائيليين.


وفي مقالات سابقة، دعا باجيش إلى اعتبار السلام شرطًا أساسيًا لتحقيق الأمن المستدام، وإلى تعزيز التعاون بين أوروبا وتركيا باعتباره ركيزة لمشروع السلام الأوروبي. ويرى أن هذه المبادئ تحتاج الآن إلى تحرك دبلوماسي عملي.


ويطالب الكاتب أنقرة والعواصم الأوروبية وواشنطن والشركاء العرب بربط إعادة الإعمار بقيادة فلسطينية بخطوات ملموسة نحو حل الدولتين، وتوفير ضمانات أمنية فعالة لكلتا الدولتين. كما يدعو إلى دعم المؤسسات الفلسطينية الخاضعة للمساءلة، وتحديد الخطوات التي ينبغي اتخاذها مقابل إحراز تقدم يمكن التحقق منه.


ويشير باجيش، استنادًا إلى خبرته وزيرًا سابقًا لشؤون الاتحاد الأوروبي وكبيرًا للمفاوضين، إلى أن التوصل إلى الاتفاقات يتطلب عملًا متواصلًا وقدرة على التعامل مع الخلافات الحقيقية. فالحكومات مطالبة بحماية مواطنيها، مع الاعتراف في الوقت نفسه بحق جيرانها في مستقبل خالٍ من الخوف.


ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن أمن إسرائيل وحرية الفلسطينيين ينبغي أن يتقدما معًا، وأن إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 تمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق سلام إقليمي دائم.


وستتشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة عبر المفاوضات السياسية، لكن اختبار شرعيتها لن يقتصر على عدد المقاعد التي تجمعها، بل سيمتد إلى الأطراف التي تعترف بأصواتها، والمستقبل الذي تعرضه على مواطنيها وجيرانها. فقد أظهر الناخبون العرب أنهم قوة سياسية لا يمكن تجاوزها، ويبقى على القادة تحويل هذه الفرصة إلى مشاركة حقيقية ومسار موثوق نحو السلام.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20261030-israels-next-government-must-end-gazas-catastrophe/